التخطي إلى المحتوى

 
* المقال جزء من العدد رقم 99 من دورية “الملف المصري” الإليكترونية، نوفمبر 2022.
للاطلاع وتحميل العدد كاملًا: https://acpss.ahram.org.eg/Esdarat/MalafMasry/99/files/downloads/Mallf-99-November-2022-Final.pdf

 

مع تصاعد دور تكنولوجيا الاتصال والمعلومات في كافة الخدمات المرتبطة بحياة الفرد والمجتمع والدولة، أصبحت بدورها منصة للتغيير السلوكي وتوفير تطبيقات وحلول جديدة للتكيف مع تأثيرات التغير المناخي، وانعكاس ذلك على أمن الطاقة، والأمن الغذائي، والأمن البيئي. وهو الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات التي تحاول هذه المقالة الإجابة عليها، حول ماهية العلاقة بين التكنولوجيا، والبيئة، وماهية تطبيقاتها؟ وما هي فرص وتحديات توظيف التكنولوجيا في مواجهة التغييرات المناخية؟ وما هي طبيعة دور ما يطلق عليه «التكنولوجيا الخضراء» في المواجهة، وما هو مستقبلها؟ وما علاقة تلك التطبيقات بالحفاظ على البيئة، والصحة، والأمن الغذائي، والتنمية المستدامة؟ وكيف تساهم الاستراتيجية الوطنية لمصر في تعزيز دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في خلق حلول مبتكرة للتخفيف من تداعيات التغير المناخي؟ وكيف يمكن أن يساهم COP27 في تعزيز دور التكنولوجيا في مواجهة التغير المناخي؟ 

أولًا: اتجاهات العلاقة بين التكنولوجيا والتغير المناخي

تعد العلاقة بين البيئة والتقنية علاقة تاريخية فلطالما حاول الإنسان توظيف الأفكار، والإبداع والابتكار في مواجهة صعوبات البيئة المحيطة به، من أجل جعلها أكثر ملاءمة للعيش والرفاهية، وعلى قدر ما ساعدت التقنية في تسهيل حياة الإنسان، إلا إنها كان لها تأثيرات سلبية في زيادة معدلات التلوث. فبالنسبة للثورة الصناعية الأولى فقد كانت معتمدة على الانتقال من الفحم إلى المحرك البخاري في القرن الثامن عشر، أما الثورة الصناعية الثانية التي جاءت في نهاية القرن التاسع عشر، فقد كانت مرتكزة على اختراع الكهرباء، وتأثير ذلك فيما يخص التوسع في عمليات التصنيع الإنتاجي مع حدوث توسع مقابل في الأسواق.

بينما تميزت الثورة الصناعية الثالثة، بإطلاق عملية تحويل حركة الإنتاج إلى «الآلية»، والتطور في تكنولوجيا الكمبيوتر والإنترنت، والتي ظهرت في الستينيات من القرن العشرين.

وجاءت “الثورة الصناعية الرابعة” لتعبر عن عملية الدمج بين العلوم الفيزيائية أو المادية بالأنظمة الرقمية والبيولوجية في عمليات التصنيع عبر آلات يتم التحكم فيها إلكترونيًا، وآلات ذكية متصلة بالإنترنت مثل: إنترنت الأشياء، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وغيرها في شكل تطبيقات تدخلت في كافة مجالات الحياة، والعمل. وفيما يلي يمكن توضيح الآراء التي تساهم في تفسير العلاقة بين التقنية والبيئة، والتي تنقسم إلى اتجاهين رئيسيين.

الاتجاه الأول: يرى أن هناك تأثير سلبي للتكنولوجيا على البيئة والمناخ. وعلى الرغم من إقرار هذا الاتجاه بدورها في الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنه يركز على المخاوف المحيطة بالتأثيرات الضارة لكل من الأجهزة والبرامج التقنية على البيئة مثل: ارتفاع مستويات استهلاك الطاقة، وانبعاثات الغازات الدفيئة، والنفايات الإلكترونية، وخاصة أن الأجهزة الإلكترونية تعد قصيرة العمر نسبيًا بما يتسبب في أضرار بيئية أثناء التخلص منها.

ومن جهة أخرى، أدى ظهور وتطور العملات المشفرة واعتمادها على التعدين إلى جعلها متعطشة لاستهلاك الطاقة، فعلى سبيل المثال تنتج عملة «البيتكوين» المشفرة أكثر من 22-29 مليون طن متري من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون كل عام، وهو ما يقارب حجم الانبعاثات لدول بأكملها؛ حيث يفوق حجم استهلاك العملات المشفرة ما تستهلكه دولة مثل فنلندا أو التشيك. وتحتل عملة «البيتكوين» المركز 35 عالميًا في استهلاك الكهرباء، وتساهم مراكز البيانات بنحو 2 % من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على المستوى العالمي.

الاتجاه الثاني: يُعد الأكثر انتشارًا؛ حيث يركز على دور التكنولوجيا في مواجهة التغييرات المناخية، وأهم تطبيقاتها «التكنولوجيا الخضراء»، والتي تنطوي على أحدث التغييرات في تطبيقات تكنولوجيا المعلومات بما يتواكب مع معايير الحفاظ على البيئة والتنمية المستدامة، وإمكانية دمج تكنولوجيا المعلومات في الإدارة البيئية بكفاءة، ودور تكنولوجيا المعلومات في نشر الوعي البيئي عبر المنصات الرقمية، وإمكانية إطلاق مبادرات للحماية من الملوثات البيئية، والوعي بانعكاسات التغير المناخي على البيئة. ويمكن للتطور المتسارع في مجال إنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي (AI) أن يساهم في تقديم حلول للحد من تلك التأثيرات الضارة.

ووفقًا للمبادرة العالمية للاستدامة الإلكترونية (GeSI) فإن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لديها القدرة على الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم بنسبة 20 ٪ بحلول عام 2030 من خلال مساعدة الشركات والمستهلكين على الاستخدام الذكي، وتوفير الطاقة. ويعمل الذكاء الاصطناعي على تحسين الحوكمة البيئية والسلامة والحد من المخاطر البيئية مع التركيز على إدارة المعلومات لصنع القرار، واستخدام تطبيقات التعلم العميق، وتحليلات البيانات الضخمة لإدارة جودة المياه والهواء، وتبني تطبيقات الحوسبة السحابية، ومراكز البيانات ذات الكفاءة في استخدام الطاقة. فضلًا عن دور التحول الرقمي في الوظائف الحكومية في تقليل الاعتماد على استخدام الورق، وتوظيف تطبيقات الشبكات الاجتماعية في مشاركة المعلومات، وتبني المبادرات المستدامة بما يعزز من الوعي البيئي والمناخي. كما يمنع أو على الأقل التقليل من تأثير المعلومات الخاطئة على التصور العام لتغير المناخ إلى جانب تعزيز دور المجتمع المدني، وكافة أصحاب المصلحة في مواجهة الظاهرة.

ومن أهم تطبيقات التكيف مع التغيرات المناخية «الزراعة الذكية»؛ وذلك عبر التحول من النظم التقليدية في الزراعة إلى النظم الحديثة التي تلعب فيها التقنيات الحديثة دورًا حاسمًا في المساعدة في تلبية الاحتياجات الغذائية المتزايدة. وهي تعتمد على إدخال التقنية في المجال الزراعي من جهة، وتبني ما يعرف بالزراعة الذكية مناخيًا من جهة أخرى. ويتم ذلك عبر توظيف تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة مثل: الذكاء الاصطناعي، والروبوت، وإنترنت الأشياء.

ثانيًا: التكنولوجيا الخضراء والسعي نحو الحوكمة

ظهرت خلال  النصف الثانى من سبعينات القرن الماضي  فكرة «التكنولوجيا عديمة النفايات»، والتي عرُفت  باسم “Low and No-waste Technologies”، وحاولت البحث عن وجود صناعات قائمة على «التكنولوجيا  النظيفة»، وفي نفس الوقت لا تساهم في إنتاج النفايات الضارة بالبيئة .وبرزت فكرة أخرى أطلق عليها «الإنتاج الأنظف» في  منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وذلك في سبيل السعي إلى تكوين فكرة «تكنولوجيا عديمة النفايات»، ولكن واجهت عملية تطبيق ذلك صعوبات تعلقت بضعف التطبيق الكامل لتلك الاستراتيجية، وعدم القدرة على ترسيخ  أساليب الإدارة البيئية في الصناعة، وضعف القدرة على ضخ استثمارات جديدة يكون من شأنها إحداث تغييرات في الصناعة على مستوى العمليات والأساليب وطرق الإنتاج.

وفي ظل التطور الهائل في مجال العلم والتكنولوجيا وعلاقتها بالأسواق، برز اتجاهان: أولهما، يربط بين النمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي، وثانيهما، يعلق الحفاظ على تلك العلاقة على القدرة على معالجة الآثار الضارة الناتجة.

وعلى الرغم من عدم نشر الكثير من الدراسات المحايدة حول التأثيرات الصحية السلبية للتطبيقات التكنولوجية، إلا أن ذلك لا يعني انتفاء الضرر بالضرورة، وهو ما دفع إلى محاولة السعي للحد من احتمال حدوث الضرر على المديين القصير والطويل.

وجاء مصطلح «التكنولوجيا الخضراء» أو «النظيفة» GreenTechnology (GT) كتطبيق تقني لحماية البيئة، والمساهمة في وضع الحلول التقنية من أجل الحد من انبعاثات الكربون والاحتباس الحراري، وعلاقة ذلك بالأمن والاستقرار والتنمية. ومثلت «التكنولوجيا الخضراء» نقلة مهمة في تطبيق السياسات العامة على الاستخدامات التكنولوجية بحيث يجعل منها مناصا لتحقيق التوظيف الأمثل للموارد وتحقيق كفاءة أكبر في العمل، ودرجة عالية من تحسين الخدمة، وتحقيق الأهداف بأقل تكلفة وأكثر جودة واستدامة. وتقوم «التكنولوجيا الخضراء» بدور فعال وقوي في بروز «الاقتصاد الأخضر» كمدخل جديد في التعامل الكفء في مجال تطبيقات التكنولوجيا في مجال الصناعة، وهو ما ينعكس إيجابيًا على الاقتصاد الوطني، ومعالجة الأضرار البيئية والصحية على الإنسان والبيئة المحيطة به».

ويعزز التوجه نحو «التكنولـوجيا الخـضراء» من القدرة على البحث والاعتماد على مصادر بديلة للطاقة صديقة للبيئة وللإنسان في آن واحد، وقد بدأ يطفو على السطح توجهات «أنسنة التكنولوجيا» في سبيل الحد من التأثيرات السلبية، وتعظيم القدرات الإنسانية في مواجهة تغول «الآلة» على المشاعر والقيم الإنسانية، والبحث عن جوانب روحية بعيدًا عن السيطرة المادية الصامتة للثورة التكنولوجية، والعمل على تطوير ومراعاة المنتجات والمعدات والنظم المستخدمة للحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية، مما يقلل ويحد من التأثير السلبي للأنشطة الإنسانية.

كما تساهم تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء» في مواجهة آثار التغير المناخي، وخفض نمو الانبعاثات أو الحد منها، وذلك ليس فقط على المستوى المحلي، بل كذلك على المستوى العالمي، وهو ما يدفع إلى توظيف عملية  رقمنة الطاقة في تقليل الفاقد منها، وتوليدها من مصادر متجددة، وجعل التطبيقات الرقمية صديقة للبيئة.

يمكن القول إن تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء» تسعى لتحقيق عدة أهداف من أجل الاستعداد لحالة التغير في المناخ، وكذلك التغير في طبيعة مصادر الطاقة، وزيادة الطلب عليها، وعلاقة ذلك بتحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030. ولعل أهمها: تقليل نمو استهلاك الطاقة مع تعزيز التنمية الاقتصادية، وتسهيل نمو صناعة «التكنولوجيا الخضراء»، وتعزيز مساهمتها في الاقتصاد الوطني. فضلًا عن زيادة القدرة الوطنية على الابتكار في تطوير «التكنولوجيا الخضراء»، وتعزيز القدرة التنافسية في مجال التكنولوجيا الخضراء على الساحة العالمية. بالإضافة إلى العمل على ضمان التنمية المستدامة، والحفاظ على البيئة للأجيال القادمة. والعمل على تعزيز دور التعليم والوعي بـ«لتكنولوجيا الخضراء»، وتشجيع استخدامها على نطاق واسع.

وبالنسبة للمكاسب التي يمكن أن تحققها تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء»، فإنها تساهم في إحداث تحول في الاقتصاد الصناعي التقليدي إلى مرحلة الاقتصاد الأخضر غير الضار بالبيئة، وتحسين جودة البنية التحتية المحلية. كذلك، تساعد تلك التطبيقات في تحقيق التقدم في استخدام الطاقة المتجددة ما يعزز من النمو الاقتصادي. فضلًا عن المساعدة في كفاءة استخدام الطاقة في قطاع النقل وتحقيق مكاسب اقتصادية. وتساهم أيضًا في الحد من الانبعاثات الكربونية، ومواجهة آثار التغير المناخي. بالإضافة إلى تحسين الصحة العامة والحفاظ على الموارد البشرية، وتوفير فرص العمل، ومواجهة البطالة، والحد من هدر الموارد والوصول إلى المجتمعات المحرومة.

وعلى الرغم من المكاسب السابقة، يمكن فيما يلي توضيح أبرز التحديات التي تواجه التحول نحو «التكنولوجيا الخضراء».

التحدي الأول: إن التوسع في استخدام التكنولوجيا، يتطلب توفير الطاقة، وترشيد استخدام المياه سواء في الأغراض الصناعية أو الحياتية.

التحدي الثاني: دعم ونشر الأفكار المتعلقة بتطبيقات تكنولوجيا الطاقة الجديدة والمتجددة.

التحدي الثالث: توفير التمويل اللازم لدعم مشروعات التحول نحو التكنولوجيا الخضراء.

التحدي الرابع: تحسين البحث والتطوير فيما يتعلق بتحقيق التنمية المستدامة.

التحدي الخامس: كيفية توظيف الحلول التقنية في الحد من انبعاثات الكربون، والاحتباس الحراري. وخفض تكاليف موارد الطاقة، وتحقيق الاستخدام الأمثل لها.

التحدي السادس: عقبات إنشاء مبان «خضراء»، و»ذكية» من خلال توفير استهلاك الطاقة واعتماد طابع عمراني صديق للبيئة.

التحدي السابع: تطوير ورفع كفاءة البنية التحتية لتكنولوجيا الاتصال والمعلومات وترشيد استخدام الطاقة باستخدام تكنولوجيا منخفضة الاستهلاك لها.

التحدي الثامن: دعم برامج البحث والتطوير في مجال تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء»، وإطلاق المبادرات لرفع الوعي، ومواجهة مبادرات التحول الرقمي مثل: المدن الذكية، ومشكلة إدارة النفايات وإدارة الطاقة، وإدارة الانبعاثات التي يجب معالجتها لتحقيق الاستدامة والجدوى منها على المدى الطويل.

ثالثًا: التكنولوجيا الخضراء وأنماط الاستجابة الدولية

تعد عملية تطوير تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء» من أهم ركائز الجهود الدولية لمواجهة التغير المناخي، ويعد الابتكار التكنولوجي في تحقيق ذلك هو جوهر التنمية المستدامة. وتتطلب الرغبة في التقدم الاقتصادي تبني سياسات تقنية قوية، وأن يكون التوجه نحو «الاقتصاد الأخضر»، و»التكنولوجيا الخضراء»، ضمن الاستراتيجيات الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة.

وقد أكد مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP26 على «ضرورة تغير الأنظمة وتفعيل دور الابتكارات التكنولوجية للتعامل مع التغير المناخي»، وكيفية «بناء مجتمعات ذكية منخفضة الكربون»، ودور التقنيات الرقمية في دعم العمل المناخي وتعزيز كذلك دور البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء في مواجهة التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية. فضلًا عن إحداث تغييرات بما يتواكب مع معايير الحفاظ على البيئة والتنمية المستدامة، وإمكانية دمج تكنولوجيا المعلومات في الإدارة البيئية، وفي نشر الوعي البيئي عبر المنصات الرقمية وإطلاق مبادرات للحماية من الملوثات البيئية، ومن قبيل أن النمو والتقدم الاقتصادي يتطلب تبني سياسات تقنية قوية، ومن خلال دمج «الاقتصاد الأخضر»، والتكنولوجيا الخضراء» ضمن الاستراتيجيات الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة.

ووفق وكالة الطاقة الدولية (IEA)، فإن المصادر الرئيسية لانبعاثات الكربون العالمية هي: الكهرباء، والصناعة، والنقل. ويمثل قطاعا الكهرباء والنقل 40 %، و21 % من انبعاثات الكربون على التوالي. بينما يستهلك قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات 4 %، وهناك تقديرات أخرى تشير إلى أنها تبلغ 10 % من الكهرباء العالمية.

ووضعت منظمة حقوق الملكية الفكرية  الدولية  (WIPO)  نظام للتصنيف الدولي للاختراعات المتعلقة ببراءات الاختراع في مجال«التكنولوجيا الخضراء». ودشن البنك الدولي في مايو 2019 صندوق التعدين المراعي لتغير المناخ، وهو أول صندوق مخصص لجعل عمليات التعدين للمعادن بأساليب مستدامة تراعي تغير المناخ. ويدعم عمليات استخراج ومعالجة المعادن والفلزات المستخدمة في تقنيات الطاقة النظيفة، مثل: طاقة الرياح، والطاقة الشمسية، وبطاريات تخزين الطاقة، والسيارات الكهربائية. ويركز الصندوق على مساعدة البلدان النامية الغنية بالموارد على الاستفادة من الطلب المتزايد على المعادن والفلزات، مع ضمان إدارة قطاع التعدين بأسلوب يحدّ من البصمة البيئية والمناخية.

ويشير البنك الدولي أن مستقبل انخفاض الانبعاثات الكربونية سيكون أكثر تركيزًا على المعادن مقارنة بالوضع الحالي، وأن الطلب العالمي على «المعادن الاستراتيجية» سيرتفع مثل: الليثيوم، والجرافيت، والنيكل بنسبة 965 % و383 % و108 % على التوالي بحلول عام 2050. 

ويستهدف البنك الدولي الوصول إلى حجم استثمار  إجمالي  يصل إلى  50 مليون دولار خلال الخمس سنوات  القادمة، ويركز الصندوق على الأنشطة التي تدور حول أربعة محاور أساسية: أولها، التخفيف من تغير المناخ، وثانيها، التكيف مع تغير المناخ، وثالثها، الحد من آثار المواد وخلق فرص السوق، ورابعها، المساهمة في إزالة الكربون وتقليل آثار المواد على طول سلسلة التوريد من المعادن الحيوية اللازمة لتكنولوجيات الطاقة النظيفة.

وعلى الرغم من التعثر أمام الجهود الدولية في مجال تفعيل التحول إلى تقنيات الطاقة النظيفة، إلا أن هناك جهودًا أخرى قامت بها العديد من الدول بشأن التحول البيئي ومواجهة التغير المناخي.

كما قاد الاتحاد الأوروبي جهودًا مضنية في مجال تعزيز التكنولوجيا الخضراء داخل دول الاتحاد ودعم الاستثمارات فيها. كذلك، يوجد دور متصاعد لدول الجنوب والأسواق الناشئة في صناعات «التكنولوجيا الخضراء»؛ حيث تحتل الصين والهند مركزًا متميزًا في تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء» مثل: الألواح الشمسية الكهروضوئية (PV)، وتوربينات الرياح، والسيارات الكهربائية والهجينة.

وفيما يخص البلدان النامية فإنها تواجه تحديات تتعلق بضعف قدرتها في تحمل تكاليف تطبيقات «الطاقة النظيفة»، وهو ما دفع دول مثل الولايات المتحدة، وبريطانيا، واليابان للدعوة لتدشين صندوق لدعم تقنيات الطاقة النظيفة في تلك البلدان. وتأتي أهمية تطبيقات التكنولوجيا الخضراء أو النظيفة في الحد من التكاليف البيئية، وبخاصة في ظل المعدلات المرتفعة لاستهلاك الطاقة؛ حيث تقدر وكالة الطاقة الدولية أن الطلب على الطاقة سيرتفع بنسبة 55 %، وذلك بحلول عام 2030.

ومن ثم فإن زيادة الطلب على الطاقة مع الزيادة المتوقعة في عدد السكان عالميًا سيؤدي إلى تفاقم الآثار الناتجة، ومن ثم يضغط للبحث عن حلول ممكنة عبر تطبيقات التكنولوجيا الخضراء.

وتلعب «التكنولوجيا الخضراء» دور «المحرك» الجديد للنمو الاقتصادي عن طريق توفير وظائف جديدة، والقضاء على البطالة، وإتاحة بيئة صحية ملائمة، وترشيد الموارد الطبيعية، وجعل البيئة أكثر أمنًا. ولما كانت التأثيرات البيئية عابرة للحدود فإنها فرضت في الوقت نفسه أهمية التعاون الدولي، وبخاصة من جانب الدول المتقدمة لمساعدة الدول النامية في تبني برامج «التكنولوجيا الخضراء»، وبخاصة في ظل نقص التمويل اللازم في تلك الدول.

فضلًا عن العمل على الحد من المشكلات البيئية المرتبطة بالصناعة، والانبعاثات الناتجة عنها، والاستفادة من المواد الخام والطاقة. ومن ثم فإن تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء» لا تتعلق فقط بالعمل على الحد من التلوث البيئي بل كذلك بالعمل على تحسين جودة العملية الصناعية برمتها وعبر كل مراحلها، حتى أصبحت مراعاة «الاشتراطات البيئية» جزءًا مهمًا في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني.

أضف إلى ما سبق، فإن عملية إعادة التدوير تُعد من أهم الفوائد التي تعود بها التكنولوجيا الخضراء على البيئة، من حيث إصلاح البيئة عبر التخلص من كافةِ مسببات الملوثات لعناصر البيئة، كالماء، والهواء، والتربة. ومن أهم مصادر الطاقة المتجددة هي: المياه، والشمس، والرياح، وانتهاج بعض الطرق والخطوات ليصبح المبنى أخضر تمامًا، وتحويل الصناعات التحويلية لتصبح مماشيةً للبيئة.

بالإضافة إلى أن يتم التعامل مع منتجات «التكنولوجيا الخضراء» كصناعات جديدة، وذلك مع توفير الدعم المناسب لها، بما في ذلك أن تقوم الحكومة بتشجيع الاستثمارات الخاصة والعامة في البنية التحتية، وفي تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء» في مجال الطاقة والبناء وإدارة المياه والنفايات والنقل.

وتتنافس العديد من الدول في سوق تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء»، والطاغي عليه السباق التكنولوجي في مجال الصناعة والاستحواذ على الأسواق، وإنتاج طاقة نظيفة وسلع صديقة للبيئة. ومثال ذلك نجاح الصين في إنتاج رقائق طاقة شمسية تدخل في تصنيع الأجهزة الإلكترونية.

ومن جهة أخرى تؤثر طبيعة مواجهة الدول لتلك التحديات في مدى قدرتها على الدخول في عملية إنتاج تطبيقات للطاقة الخضراء، والنظر كذلك لحجم الإنفاق على البحث والتطوير في مجال التكنولوجيا الخضراء، وأسعار توافر تلك المنتجات أو التطبيقات أمام المستهلكين، والتي ستتوقف على نوعية التكنولوجيا المستخدمة، ودرجة ملاءمتها لرغبات المستهلكين أو المعايير البيئية.

وعلى الرغم من وجود صراع حالي حول مصادر الطاقة غير المتجددة مثل البترول أو الغاز الناتج عن عدم توافر تلك القدرات لجميع الدول، فإن الطاقة المتجددة توفر درجة أعلى إلى حد ما من المساواة بين الدول وبخاصة فيما يتعلق بطاقة الرياح. ومع ذلك هناك تفاوت في قدرات الدول في مجال الطاقة الشمسية، وتطبيقاتها؛ وذلك ناتج عن اختلاف طبيعة المناخ، ودرجة سطوع الشمس.  ومن بين الأمثلة على ذلك الفارق بين أوروبا، وبين شمال وجنوب أفريقيا، وهو ما يؤشر إلى حالة انقسام مرتقبة في مجال تطبيقات التكنولوجيا الخضراء بين الشمال والجنوب.  وهو ما دفع بعض دول الشمال إلى ضخ الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة في دول الجنوب لتوفير سوق لاستيراد الطاقة الآمنة والنظيفة عبر تطبيقات «التكنولوجية الخضراء».

وفيما يتعلق بالطاقة الناتجة من المياه، والسدود على الأنهار، فإنها لا تتوافر للدول الأخرى الحبيسة أو التي لا يوجد بها مصادر للأنهار. ومن ثم فإن تنوع قدرات الدول في الموارد الطبيعية سيؤثر في تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء»، وقدرتها على التنافس في إنتاج الطاقة وتوفيرها بأسعار منخفضة.

وتلعب الحكومات دورًا في تشجيع تبني «التكنولوجيا الخضراء» بين الأفراد أو الشركات عن طريق تقديم تسهيلات بنكية أو إجرائية. ومن ثم قد يعاني الفقراء من نقص التمويل اللازم الذي سيؤثر في صحتهم وبيئتهم المحيطة. ويصبح المخرج الوحيد من تلك الأزمة هو ضرورة الاعتماد على الإبداع، والابتكار في تبني تطبيقات تكنولوجية أكثر تطورًا في مجال إنتاج الطاقة.

رابعًا: السياسة الوطنية المصرية نحو التكنولوجيا الخضراء والمستدامة

ترى مصر أن موضوع نقل التكنولوجيا من الموضوعات المهمة في مواجهة التغيرات المناخية، وأن هناك ثمة ضرورة لتكوين هيكل مؤسسي قوي، وقادر على تفعيل نقل التكنولوجيا للدول النامية، ودعم تمويل مشروعات نقلها على أسس تفضيلية ودعم بناء القدرات والتدريب والدعم الفني للدول النامية، وضرورة إعادة النظر في فريق الخبراء الدوليين المعني بنقل التكنولوجيا egtt.

وعلى المستوى الوطني تبنت مصر استراتيجية تعزيز دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في خلق حلول مبتكرة للتخفيف من تداعيات التغير المناخي، وبناء اقتصاد أخضر؛ حيث تساهم مصر بالتعاون مع المجتمع الدولي في وضع المعايير الخضراء باعتبارها عضوًا في اللجنة المشكلة من قبل الاتحاد الدولي للاتصالات، والتي تختص بوضع معايير للامتثال البيئي، واقتصاد إعادة التدوير، وتخفيف تغير المناخ والتكيف معه، والمشتريات الخضراء، بالإضافة إلى قياس البصمة الكربونية لمنتجات وخدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

وتوجه مصر لإطلاق مشروعات لاستخدام التقنيات الحديثة في التكيف مع تغير المناخ، ويأتي من بينها إرشاد المزارعين حول سبل الاستخدام المسؤول للمياه والموارد الأخرى من خلال تطبيقات مختلفة مثل تطبيق «هدهد» المساعد الذكي للفلاح، وبوابة «كنانة أون لاين». بالإضافة إلى تنفيذ عدد من المشروعات لإدارة المياه الجوفية، والتعاون مع هيئة الأرصاد الجوية المصرية للتنبؤ، وإدارة مسارات الفيضانات المفاجئة والتخفيف من آثارها. فضلًا عن العمل على بناء نظام التنبؤ بحالات الطقس المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وخدمة تنبيهات الطقس القاسي بناء على الموقع الجغرافي؛ منوها إلى أن الوزارة تعمل على تقييم عدد من المشروعات التي تهدف إلى تمكين الاستدامة البيئية بما في ذلك: استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين استخدام الطاقة، وذلك بناء على دراسة الاستهلاك، وكذلك العمل على تحسين طرق المرور والتنقل لتقليل انبعاثات الكربون.

وفي إطار علاقة التحول الرقمي بالتنمية تم تطوير البنية التحتية للاتصالات في أكثر من 4500 قرية على مدار 3 سنوات، وذلك في إطار مبادرة «حياة كريمة»، والتي تستهدف ما يقرب من 58 % من سكان مصر. بالإضافة إلى السعي من أجل ربط القرى بكابلات الألياف الضوئية تماشيًا مع مساعي الحفاظ على البيئة؛ حيث تستهلك كابلات الألياف الضوئية 12 مرة طاقة أقل لنقل البيانات من الكابلات النحاسية.

وقد تبنت مصر الاستراتيجية الوطنية للمدن الذكية والمستدامة، وذلك من خلال التوسع العمراني ببناء 40 مدينة جديدة خلال العقدين المقبلين، ترتكز على بنية تحتية وتقنيات صديقة للبيئة، إلى جانب التطوير بشكل متوازي للمدن القديمة لتصبح أكثر اخضرارا، واستدامة.

وعلى صعيد الدور الاستراتيجي لمصر في عبور الكابلات البحرية، فهناك إمكانات كبيرة في صناعة مراكز البيانات وفقًا للمعايير واللوائح البيئية الخضراء، مما يجعل من التحول إلى مركز البيانات الخضراء أمر ضروري، وكذلك تطوير عمل أبراج المحمول لتقليل انبعاثات الكربون، وإمكانية استخدام الطاقة الشمسية في تشغيلها.

وفيما يتعلق بإدارة المخلفات الإلكترونية فقد تم تنفيذ مشروعات مشتركة مع الجهات الدولية، وبالتعاون بين الحكومة والقطاع الخاص، وتعزيز دور رواد الأعمال، والشركات الناشئة.

أضف إلى ما سبق، فقد قامت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بإطلاق مشروعات لاستخدام التقنيات الحديثة في التكيف مع تغير المناخ؛ حيث يأتي من بينها إرشاد المزارعين حول سبل الاستخدام المسؤول للمياه والموارد الأخرى من خلال تطبيقات مختلفة مثل تطبيق «هدهد» المساعد الذكي للفلاح، وبوابة «كنانة أون لاين».

فضلًا عن تنفيذ مشروعات لإدارة المياه الجوفية، وتعزيز القدرة على التنبؤ وإدارة مسارات الفيضانات المفاجئة والتخفيف من آثارها، وبناء نظام التنبؤ بحالات الطقس المدعوم بالذكاء الاصطناعي وخدمة تنبيهات الطقس القاسي بناءً على الموقع الجغرافي؛ وذلك بالتعاون مع هيئة الأرصاد الجوية المصرية. بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين استخدام الطاقة بناءً على دراسة الاستهلاك، وكذلك في تحسين طرق المرور والتنقل لتقليل انبعاثات الكربون، وذلك لتمكين الاستدامة البيئية.

وفي 19 مايو 2022 تم توقيع بروتوكول لتوطين تكنولوجيا تصنيع منظومات النقل الذكية صديقة البيئة، وتضمنت «الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ في مصر 2050» أهداف تتعلق بتعزيز البحث العلمي ونقل التكنولوجيا وإدارة المعرفة والوعي لمكافحة تغير المناخ، وتسهيل نشر المعلومات المتعلقة، وإدارة المعرفة بين المؤسسات الحكومية والمواطنين، وزيادة الوعي بشأن تغير المناخ بين مختلف أصحاب المصلحة.

وفي 30 أغسطس 2022، انطلقت فعاليات «المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية» التي تُنظَم بالتعاون بين كل من: وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ووزارة التنمية المحلية، ووزارة البيئة، ووزارة التعاون الدولي، والمجلس القومي للمرأة. وهي مبادرة رائدة في مجال التنمية المستدامة والذكية، والتعامل مع البُعد البيئي، وآثار التغيّرات المناخية.

وتأتي المبادرة في إطار الجهود الوطنية المكثفة لاستضافة مصر ورئاستها لمؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغيّر المناخ COP27، والجهود الرامية إلى تحقيق التنمية المستدامة في سياق تنفيذ رؤية مصر 2030 من خلال الحفاظ على البيئة لتحسين نوعية الحياة ومراعاة حقوق الأجيال القادمة، وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية لتغيّر المناخ 2050.

وتشمل أهداف المبادرة التركيز على التنفيذ والتطبيق على أرض الواقع، والتأكيد على جدّية التعامل مع البُعد البيئي، وتغيّرات المناخ في إطار تحقيق أهداف التنمية المستدامة، والتحول الرقمي من خلال تقديم مشاريع محقِقة لهذه الأهداف، ووضع خريطة على مستوى المحافظات للمشاريع الخضراء والذكية وربطها بجهات التمويل، وجذب الاستثمارات اللازمة لها من الداخل والخارج، وتعظيم استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في إطار خطة الدولة للتحول الرقمي.

هذا إلى جانب تمكين جميع محافظات مصر والوصول إلى مختلف الفئات مجتمعيًا وجغرافيًا، ونشر الوعي المجتمعي حول تحديات التغيّر المناخي، وقدرات التكنولوجيات الحديثة، وتمكين المرأة في مجال مواجهة تحديات التغيّر المناخي والبيئة، وإدماج كافة أطياف المجتمع في إيجاد حلول للتحديات المناخية والبيئية.

خامسًا: COP27 واستراتيجيات التحول نحو تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء»

تعد قمة شرم الشيخ للمناخ خطوة مهمة نحو تعزيز الاستجابة الدولية لمواجهة التغيرات المناخية، والتي تأتي تزامنًا مع  تحديات الحرب الروسية – الأوكرانية، وهو الأمر الذي يُعزز من أهمية التكنولوجيا، ودورها الإيجابي في التغيير السلوكي، وتغيير ممارسات العمل الدولية، والتأثير على المجتمع المحلي والعالمي عبر المنصات الرقمية، وتعزيز دور البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء في مواجهة التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية من خلال ابتكار تطبيقات جديدة، وتقديم حلول للتقدم نحو التكنولوجيا الخضراء من جهة، وإلى تبني التطبيقات الذكية مناخيًا من جهة أخرى.

وإذا كانت مراحل الثورات الصناعية السابقة التي مر بها المجتمع البشري قد ساهمت بدرجة أو بأخرى في إحداث تلوث عالي النظير طال البر والبحر والجو وصحة الإنسان، فإن الثورة الصناعية الرابعة تقدم حلولًا جديدة للتحول إلى منظومة صناعية شبه آمنة على الإنسان، والبيئة المحيطة به. ومن جهة أخرى، نما الوعي العالمي بضرورة مواجهة مخاطر الانبعاثات، وخطرها في إحداث التغير المناخي، وعلى نسق التقدم الذي أحرز في مجال التشريعات الوطنية والعالمية لحماية البيئة، والدفع بعملية الانتقال من التحول في القاعدة التكنولوجية للثورة الصناعية لتصبح أكثر اعتمادًا على تكنولوجيا جديدة ونظيفة وأكثر كفاءة في ذات الوقت على إنقاذ الموارد الطبيعية.

ومن ثم، يمكن تبني تكنولوجيات مستدامة وأكثر خضرة، والحد من النفايات الإلكترونية، وتوظيف تقنيات التحليلات التنبؤية التي تدعم الذكاء الاصطناعي في المساعدة في تحديد بعض الأنشطة الاقتصادية في بعض دول العالم التي تتسبب في انبعاثات الكربون، وتحديد الانتهاكات للمعايير البيئية، ومراقبة تلوث المسطحات المائية، وإزالة الغابات، ومصادر انبعاث الكربون، وإمكانية تعزيز التعاون عبر المجال الرقمي بين كافة أصحاب المصلحة في مواجهة الأزمات المناخية. بالإضافة إلى تعزيز دور الاستثمارات الخضراء في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهو ما يكون لها تأثيرها الإيجابي على المناخ والبيئة. وأن يتم التعامل مع منتجات «التكنولوجيا الخضراء» كصناعات جديدة، وذلك مع توفير الدعم المناسب لها، بما في ذلك أن تقوم الحكومة بتشجيع الاستثمارات الخاصة والعامة في البنية التحتية وفي تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء» في مجال الطاقة والبناء وإدارة المياه والنفايات والنقل.

ويتطلب المضي قدمًا في تبني سياسات وطنية للتكنولوجيا الخضراء أن تتم على عدة مستويات لعل أهمها: مستوى الطاقة، من خلال تعزيز الاستخدام الفعال لموارد الطاقة، ومستوى البيئة، من خلال الحفاظ على البيئة، والحد من التأثيرات الضارة، و مستوى الاقتصاد من خلال تعزيز النمو الاقتصادي من خلال استخدام التكنولوجيا، والمستوى الاجتماعي من خلال تحسين نوعية وجودة الحياة للجميع.

ويمكن القول إنه توجد ست استراتيجيات للتحول نحو تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء»، يمكن توضيحها فيما يلي.

الاستراتيجية الأولى: إعادة التدوير للنفايات، باستخدام تطبيقات التكنولوجيا الخضراء والتي تعمل على تحسين البيئة، عن طريق الاستفادة من المواد الصلبة أو الحيوية وتوظيفها بما يتماشى مع المعايير البيئية، والحد من استنزاف الموارد الطبيعية.

الاستراتيجية الثانية: تبني الإصلاح البيئي؛ وذلك بالعمل على التخلص من كافة أنواع التلوث التي تطال الماء والهواء و التربة. بالإضافة إلى معالجة عناصر الخلل في النظام البيئي عبر تطبيقات حيوية تعمل على إحداث التوازن البيئي الفعال.

الاستراتيجية الثالثة: توظيف التكنولوجيا الخضراء في الاستثمار في الطاقة المتجددة كبديل عن النفط أو الفحم، مثل تكنولوجيا توليد الطاقة من الماء أو الرياح أو الشمس.

الاستراتيجية الرابعة: الاستثمار في البحث والتطوير للوصول إلى تطبيقات تقنية تعمل على إنتاج بدائل للوقود، وتوفير الطاقة للعمل على الحد من الانبعاثات.

الاستراتيجية الخامسة: تعزيز تطبيقات التكنولوجيا الخضراء في تبني التنمية البيئية بشكل مستدام وتبني حلول لتصبح المباني خضراء أو ذكية اعتمادًا على التطبيقات التكنولوجية، واستخدام الأدوات الصديقة للبيئة.

الاستراتيجية السادسة: تطبيق تقنية «النانو الخضراء»؛ حيث تهدف إلى استخدام مجموعة من المواد تساعد في عملية التحول في الصناعة لتصبح متوافقة مع المعايير البيئية.

ختامًا، تلعب التطبيقات الرقمية دورًا مهمًا في الأجندة العالمية لمواجهة التغير المناخي من خلال تعزيز دورها في الاستخدام الأمثل للموارد من جهة، والعمل على تطوير حلول جديدة مستدامة من خلال ما يُطلق عليه «التكنولوجيا الخضراء»، من جهة أخرى، وهو الأمر الذي يرتبط بتفعيل دور الثورة الصناعية الرابعة في مواجهة التغييرات المناخية.

وتسعى تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء» لتحقيق عدة أهداف من أجل الاستعداد لحالة التغير في المناخ، وفي طبيعة مصادر الطاقة، وفي زيادة الطلب عليها. وعلاقة ذلك بتحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030. وتتنافس العديد من الدول في سوق تطبيقات «التكنولوجيا الخضراء»، والمسيطر عليه السباق التكنولوجي في مجال الصناعة والاستحواذ على الأسواق، وإنتاج طاقة نظيفة وسلع صديقة للبيئة. ومثال ذلك نجاح الصين في إنتاج رقائق طاقة شمسية تدخل في تصنيع الأجهزة الإلكترونية.

وتؤثر طبيعة مواجهة الدول لتلك التحديات في مدى قدرتها على الدخول في عملية إنتاج تطبيقات للطاقة الخضراء، والنظر كذلك لحجم الإنفاق على البحث والتطوير في مجال التكنولوجيا الخضراء، وأسعار توافر تلك المنتجات أو التطبيقات أمام المستهلكين، والتي ستتوقف على نوعية التكنولوجيا المستخدمة ودرجة ملاءمتها لرغبات المستهلكين أو المعايير البيئية. إلى جانب أهمية مواجهة التحديات الجيوسياسية الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها على وجود تحديات نحو التقدم في ملف المناخ العالمي وبخاصة مع نقص الموارد والعقبات الاقتصادية أمام الدولة المتقدمة، ومخاطر العودة إلى مصادر وقود تقليدية تحت المخاوف المتعلقة بسلاسل الإمداد العالمي.    

وترتيبًا لما سبق، يأتي أهمية مؤتمر شرم الشيخ في ظل تبني مصر سياسات وطنية لدعم توظيف التكنولوجيا الخضراء والمستدامة في مواجهة التغييرات المناخية، واستراتيجية تعزيز دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في خلق حلول مبتكرة للتخفيف من تداعيات التغير المناخي، وبناء اقتصاد أخضر. وتساهم مصر كذلك بالتعاون مع المجتمع الدولي في وضع المعايير الخضراء باعتبارها عضوًا في اللجنة المشكلة من قبل الاتحاد الدولي للاتصالات. وترى مصر أهمية معالجة قضية نقل التكنولوجيا من الدول المتقدمة إلى الدول النامية، وتوفير التمويل اللازم لدعم مشروعات التكنولوجيا الخضراء والمستدامة، وبناء القدرات والتدريب والدعم الفني للدول النامية، وإعادة النظر في فريق الخبراء الدوليين المعني بنقل التكنولوجيا egtt، وأهمية المضي قدمًا في تبني سياسات وطنية للتكنولوجيا الخضراء تشمل معالجة قضية الطاقة والبيئة والاقتصاد والمستوى الاجتماعي، من أجل تحقيق بيئة خضراء ومستدامة تكون أكثر ملاءمة للعيش والرفاهية ليس فقط للأجيال الحالية بل، كذلك في دعم مستقبل الأجيال القادمة على كوكب الأرض.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.