التخطي إلى المحتوى

يزعم أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل “شات جي بي تي” ستستبدل البشر يوما ما في كتابة الإعلانات. لكن في الوقت الراهن، يقضي البشر وقتا كبيرا في الكتابة عن الذكاء الاصطناعي التوليدي. تأتي كل يوم إعلانات تتباهى فيها شركة ناشئة بتطبيقها التكنولوجيا في قطاع كذا وكذا. قد يكون الاستثمار المغامر العالمي انخفض 35 في المائة إلى 415 مليار دولار العام الماضي، لكن المال لا يزال يتدفق إلى شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي الناشئة.
لأعوام، كان الباحثون في مجال تعلم الآلة يكتبون خوارزميات مذهلة بازدياد، مستخدمين كميات ضخمة من البيانات وقوة حوسبة هائلة، الأمر الذي يمكنهم من القيام بأمور مذهلة بشكل متزايد: مثلا، الفوز بمباريات الشطرنج ضد أقوى لاعبي البشر، والترجمة بين اللغات في الوقت الفعلي، ونمذجة تركيب البروتين. لكن 2022 كان عاما لانتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث فتحت “أوبن إيه آي”، شركة البحث التي يوجد مقرها في سان فرانسيسكو، وشركات أخرى التكنولوجيا للمستخدمين العاديين.
يستطيع أي شخص لديه اتصال بالإنترنت الآن تجربة هذا السحر المرئي بجعل “دول-إي” Dall-E يولد صورة لرائد فضاء يمتطي حصانا على سطح القمر، أو جعل “شات جي بي تي” يكتب قصة عن مغامرات رائد فضاء سطح القمر.
كل هذا يعد متعة جيدة وغير ضارة في الغالب. يحاكي الذكاء الاصطناعي التوليدي بالفعل ملايين كاتبي الإعلانات والرسامين ومطوري ألعاب الفيديو، ومضيعي الوقت. لكن السؤال الأكبر هو: هل يستطيع تعزيز الإنتاجية في الاقتصاد بشكل عام؟ قارن التكنولوجيون لأعوام الآثار التحويلية للذكاء الاصطناعي بآثار الرقائق والكهرباء والنار. لكن الاقتصاديين لا يزالون يجدون صعوبة في رؤية أي تغير في بيانات الإنتاجية.
سيحول استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي الآن، كما يزعم مؤيدوه، رياضات الأقليات إلى ألعاب ذات مشاركة ضخمة. حتى إن ميرا موراتي، كبيرة مسؤولي التكنولوجيا في “أوبن إيه آي”، شبهت انتشار الذكاء الاصطناعي بنوع من العولمة الرقمية، يعطي الجميع وصولا لإمكانيات اقتصادية جديدة، ما يزيد تنوع الفرص والازدهار. جادل آخرون بأن الزيادات الهائلة في قوة الحوسبة على مر العقود الأخيرة، كما وصفها قانون مور، تتحول من الأجهزة إلى البرمجيات. يصعد إنشاء البرمجيات من العصر الحرفي إلى الصناعي.
يمكن أيضا تدريب الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بالأسطر التالية من رموز الحاسوب. تقول مايكروسوفت التي تستثمر عشرة مليارات دولار في “أوبن إيه آي”، “إنها ستدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في برامجها وخدمات الحوسبة السحابية والبحث، ما يتيح إمكانات أوسع لعملائها من الشركات”. في عام 2021 تم إصدار كوبايلوت بواسطة “جيت هب”، منصة البرامج مفتوحة المصدر من مايكروسوفت وأوبن إيه آي، وهو بالفعل يتيح للمطورين إكمال البرمجة تلقائيا في لغات برمجة عديدة.
تعليقات بعض المستخدمين قد تكون إشارة إلى أشياء قادمة. مثلا، غرد أندريج كارباثي عالم الكمبيوتر، الذي عمل سابقا في “تسلا” و”أوبن إيه آي”، بأن كوبايلوت “عجل بشكل كبير” سير عمله من خلال كتابة 80 في المائة من رموز البرمجة بدقة 80 في المائة. وقال “إن دوره الآن هو تحرير الرموز البرمجية التي ولدها الحاسوب بدلا من كتابتها بنفسه”.
تدعم ثورة البرامج الناشئة هذه فرضية الاستثمار الخاصة بـ”راديكال فينتشرز”، صندوق رأس المال المغامر في “تورنتو”. يخبرني جوردان جاكوبس، الشريك المؤسس لـ”راديكال”، بأن البرنامج يتطور من كونه منتجا ثابتا مشفرا يشحن بشكل دوري إلى منتج مدعوم بخوارزميات تعلم الذكاء الاصطناعي ويتطور باستمرار في الوقت الفعلي تقريبا. “ستستبدل برمجيات الذكاء الاصطناعي بكل جزء من البرمجيات خلال العقد المقبل. سيكون لذلك تأثير اقتصادي هائل”.
تحوم علامتا استفهام حول هذا التفاؤل. أولا، لم يتضح بعد إذا ما كانت البرامج المتطورة باستمرار ستعجل بالتقادم التكنولوجي، ما يتطلب من الشركات تثبيت أجهزة جديدة وإعادة تدريب الموظفين -وهو ما يلقي بعض الباحثين باللوم عليه في ضعف الإنتاجية بعد حدوث اختراق تكنولوجي- أم ستقلل التقادم بشكل كبير. بعبارة أخرى، هل سيعوق الذكاء الاصطناعي التوليدي تبني الإنسان التكنولوجيا أم سيسهله؟ ثانيا، هل سيوجد الذكاء الاصطناعي التوليدي شكلا جديدا ضارا من “الديون التقنية” التي تتطلب من المبرمجين البشر إعادة صياغة البرامج للقضاء على الأخطاء المكتوبة آليا؟
كما كتب أحد قراء “فاينانشيال تايمز”، الطبيعة غير الكاملة للغاية للذكاء الاصطناعي التوليدي تخاطر بقلب عالم المعلومات رأسا على عقب. اليوم، نفترض أن معظم المحتوى الرقمي دقيق ونستخدم أدوات التحقق من الحقائق لتحديد المواد المزيفة وعلاجها. في عالم ما بعد الذكاء الاصطناعي التوليدي، يجب أن نفترض أن كل المحتوى قد يكون مغلوطا وأن نوظف مكتشفي الحقيقة للتحقق من المصادر. إنني أنتظر أول بريد إلكتروني من شركة ناشئة يجادل بأن اكتشاف الحقيقة هو حالة استخدام جديدة رائعة للذكاء الاصطناعي التوليدي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.