التخطي إلى المحتوى

كثير من الأذكياء، والمتذاكين كذلك، يمارسون لعبة التنبؤ بالمستقبل، مهمتهم في نقاشاتهم هي القطع والتحديد بخصوص مستقبل التقنيات والممارسات الجديدة، خصوصا ما يأسر الانتباه ويثير الاهتمام على المستوى العالمي. تجدهم، بعيدا عن النقاشات العلمية والتطبيقية، يحددون مدى جدوى الاستفادة من القيادة الذاتية والطاقة البديلة والميتافيرس. النجاح في رؤية التوقعات وهي تتحقق حول الذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يجمع كثيرا من الأشياء، ليس بتلك السهولة. لأنه بكل بساطة ليس تقنية منفردة أو ممارسة جديدة، وإنما تطور جديد ومعقد وكبير جدا، سريع، لكنه يأخذ وقتا طويلا ليتحقق. لماذا، لأن في كل مجال قصة، وفي كل علم تطورات تتابع وتبنى بعضها فوق بعضها، ولكل تقنية وممارسة تحديات. نحن في العادة لا نرى ولا نشعر بكل ما يمس حياتنا الشخصية، لذلك وجهات النظر دائما قاصرة عن استيعاب هذه التغيرات.
هناك فرق بين تطبيق ممارسات الذكاء الاصطناعي المتخصصة في بعض المجالات وبين رؤية الآلة وهي تتفوق على الإنسان. هناك تقنيات دافعها الإنساني والأخلاقي قوي جدا لذا ابتكارها محفز وملح جدا، وهناك تقنيات تحدياتها الأخلاقية كبيرة جدا، لذا إيجادها وتمريرها مثير للجدل. الحديث عن الذكاء الاصطناعي ليس بالضرورة حديث عن سجن الإنسان في حيز افتراضي يصنعه هو بنفسه، أو في مواجهة مميتة مع الكمبيوتر، وإن كانت هذه أحد الجوانب المخيفة في القصة. هناك احتياجات بشرية ومشكلات اقتصادية وإنتاجية تسمح هذه التقنيات بمعالجتها أو تخفيف أثرها.
تتسابق الأمم والشعوب نحو التقدم العلمي وحصد المنفعة قبل الآخرين، لكن هذا لا يحصل فقط بالابتكار المباشر. كثير من الشعوب صنعت كثيرا بالابتعاد عن إعادة ابتكار العجلة والتركيز على تحسين سرعتها وكفاءتها، والنماذج السابقة في شرق آسيا خير مثال. تفوق الصانع الياباني في وقت مضى على الأمريكي والأوروبي في إعادة تصدير التقنية وقبل ذلك استخدامها مع أنهم لم يكونوا مسيطرين على إيجاد هذه التقنيات، والصين تعيد اليوم لنا كثيرا من هذه الأمثلة. لهذا هناك فارق كبير عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي بين الحديث عن ابتكاره وقيادة العالم في تصدير تقنياته الجديدة وغير المجربة التي ستأخذ وقتا كبيرا من الزمن لتثبت نفسها، وبين القدرة على تطبيق وممارسة ما نجح منها واستخدامه بشكل فاعل في رفع مستوى الإنتاجية وتحسين مناحي الحياة.
لا أعتقد بأن التعجب والانبهار دون تأثير أو استفادة مرض لأحد ممن يسمع عن أو يحاول تقييم أثر هذا الإعصار التقني المقبل، بل إن التعجب السلبي بلا تفاعل والانبهار القائم على التبعية مخيب جدا للآمال. وفي الجانب الآخر، لن يطالب أحد بقيادة مسار يتطلب بنية تحتية ومعرفية خارقة ومتفوقة في وقت قصير جدا. لأن البناء يتطلب قاعدة والقاعدة تتطلب تجهيزا وكل هذا يستغرق وقتا طويلا جدا واستثمارا كبيرا جدا. لكن، تحقيق المنفعة يقع بين الأمرين. الانبهار المعتدل والمحفز لخطو خطوة إلى الأمام مهم جدا لإدراك المسارات التي تستحق المتابعة، وفهم ما يحدث عالميا من نضج تقني قابل للاستفادة مطلوب حتى تتحقق المواءمة. وهذا هو التوازن المطلوب الذي ينقل ما يحدث من تفاعلات إلى أرض الواقع وإلى السياق الخاص بنا بكل اقتدار، وهو ليس بالأمر البسيط. يتطلب هذا الأمر كثيرا من الاستثمار والإعداد والمتابعة. ينبغي أن يحدد كهدف واضح على مستوى التقنية والمجال والقطاع، وليس على مستوى عام ومعقد وضبابي. استخدام الذكاء الاصطناعي في التقنيات الصناعية المتخصصة مثال جيد، ليس مهما أن نصدر نتائج البحث والتطوير الجديدة ونقود بها العالم في التطبيقات الصناعية الحديثة، لكن من المهم أن تستفيد استثماراتنا الصناعية من أحدث التقنيات لتعظم من نتائجها، لتسهم في تعظيم الفائدة محليا ولتتميز عالميا كمنتجات وخدمات قابلة للتصدير.
انتهت بالأمس القمة العالمية للذكاء الاصطناعي التي عقدت في الرياض، وكان الحدث في محله جذبا للاهتمام العالمي من المختصين وتسليطا للضوء على المنظمات الوطنية التي ترى نفسها قريبة من هذه التطورات. وعلى الرغم من أن كثيرا من النقاشات كانت مستقبلية في طبيعتها، فهي ليست مجرد أحلام تتطلب التنبؤ بقدرة الإنسانية على تحقيقها. لكن تمنح مثل هذه التفاعلات الفرصة لاستكشاف فرص التعاون والتركيز مع كثير من التعلم المستمر والبناء المهاري المهم لتحقيق نقاط الالتقاء والتوازن التي نصنع بها النتيجة والأثر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.